السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد ..
فإن اتباع المتشابه من القول ديدن أهل الأهواء قديما وحديثا ، يبررون به خطأهم وزللهم ، ويفتحون به الطريق لأهوائهم ، وفي هؤلاء الزائغين قال - رب العالمين -:
" فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ " .
وقد يقع في المتشابه الواحد من أهل السنة لجهله بالسنة ، وعدم وصوله خبر المحكم ،
ومن الأدلة المتشابهة التي يتمسك بها بعض القوم في الفتن القائمة في بلاد المسلمين ، قول النبي الأمين - صلى الله عليه وسلم -:
" إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا مَا قَادَكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ " ،
والحديث رواه مسلم قال: وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَ سَمِعْتُهَا تَقُولُ حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةَ الْوَدَاعِ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا كَثِيرًا ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
" إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ حَسِبْتُهَا قَالَتْ أَسْوَدُ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا " .
فهم لا يرون السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم مستدلين بهذا النص ، وكلما حدثت الواحد منهم قال: ما قادكم بكتاب الله !،
وهي شبهة وليست بدليل ، لماذا ؟!:
أولا:
ما رأي الواحد منهم في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
" لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... " ؟! . رواه البخاري ومسلم،
أيُكَفِّر من وقع في الزنا ضربة لازم ما لم يكن مستحلًا ؟!،
والجواب يقينا: لا ، لماذا ؟ ،
لأن الزنا معصية وكبيرة ، وفي حديث أَبَي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الشهير - كما في الصحيحين - أنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدْ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ:
" مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ "
قَالَ: " وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ "
فقال أَبَو ذَرٍّ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ
قَالَ: " وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ "
فقال أَبَو ذَرٍّ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ
قَالَ: " وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ " .
وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ .
ولأن أهل السنة لا يكفرون بالكبائر ، بل يعتقدون أن مرتكب الكبيرة تحت مشيئة الله - تبارك وتعالى - إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له ، وإن عذَّبه يكون مآله إلى الجنة طالما مات على الإسلام .
إذن!:
أهل السنة يجمعون بين النصوص ولا يتبعون المتشابه منه ،
والقاعدة الأصولية المعلومة عند صغار طلاب العلم:
--------------- ஜ۩ " إعمالُ الدليلين أولى من إهمال أحدهما " ۩ஜ ---------------
فوجب الجمع بين أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فما نطق يوما عن الهوى - صلوات ربي وسلامه عليه - ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمرنا في أكثرَ من حديث بالسمع والطاعة للحاكم المسلم وإن كان ظالما ، فهو القائل - صلى الله عليه وسلم -:
" عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ " . رواه مسلم،
و هو القائل - صلى الله عليه وسلم -:
" تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ". رواه مسلم وغيره،
وغير ذلك من الأحاديث المعلومة عند طلبة العلم .
والجَمْعُ يسيرٌ جدًا وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بالسمع والطاعة للحاكم المسلم في المعروف وعدم السمع والطاعة إذا لم يأمر بالمعروف ،
وهنا ربما يصرخ صارخ متسرع ويقول:
هذه هي ! ، صدقت ! ، فالحاكم يأمر بالمنكر فلا سمع ولا طاعة !،
فنقول له:
وأين قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
" أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ " . رواه مسلم،
* وهذا نصٌ واضحُ الدلالةِ جدًا في كُره معصية الإمام ، وعدم اتباعه فيها ، ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة .
وأين قوله:
" مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ". رواه مسلم أيضا،
تأمل - وكن منصفًا - في قوله:
------------- ۩ " وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ " ۩ ----------------
وقوله:
-------------- ۩ " مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ... " ۩ -------------
فأهل السنة يقولون بالجمع بين الأدلة ، وعدم إهمال بعض الأحاديث وإلا فقد أخذنا بالمتشابه، والجَمع - كما ذكرت آنفا - يسيرٌ جدًا ،
۩۩۩ وهو أن أهل السنة والجماعة السلفيين - بحق - يرون السمع والطاعة للحاكم المسلم في المعروف ، ولا يرون السمع والطاعة في غير المعروف ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
" إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ " . متفق عليه،
""" ولكنهم يتمسكون بأصل لزوم الجماعة وعدم نزع اليد من الطاعة ، وبقاء أصل السمع والطاعة """ بدلالة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
" وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ " .
وقوله:
"مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً " .
وقوله:
"مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً " . رواه البخاري،
وقوله:
" تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ " أو: " وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ " كما عند أبي داود الطيالسي .
ولما في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -:
دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - فَبَايَعْنَاهُ فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى:
السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ قَالَ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ. متفق عليه،
وَفِي هَذا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السَّمْعِ والطَّاعَةِ لِلْحُكَّامِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَلَو كَانُوا ظَلَمَةً، وَعَدَمِ جَوازِ الخُرُوجِ عَلَيهِم إلا بِرُؤيَةِ الكُفْرِ البَوَاحِ . ۩۩۩ .
فالسمع والطاعة ولزوم الجماعة وعدم نزع اليد من الطاعة لا ينفك عن الحاكم إلا بكفره كفرًا بواحًا ظاهرًا نراه بأعيننا عندنا فيه من الله برهان بإقامة الحجة واستفاء الشروط وانتفاء الموانع وقول أهل الحَل والعَقد وأمان الفتنة ، ولكننا لا نسمع ولا نطيع في المسائل التي نؤمر فيها بمعصية الله - جل وعلا - ،
وهذا هو فهم السلف الصالح ، وفهم العلماء الراسخين بحق ،
وليت القوم يتعبون رقابهم خفضا وأكتافهم انحنائا على كتب أهل العلم الثقات من المتقدمين ، وقد قُلتُ قديما وأكرر:
لِماذا لا يُدَرِّسُ كَثِيرٌ مِن الدُّعَاةِ كُتُبَ السُّنَّةِ لِلْمُتَقَدِّمِين ؟! .
ولِماذا لَم يَقْرَؤا عَلَى مَسَامِعِنا أَقْوَالَهُم فِي الفِتَنِ القَائِمَةِ ؟! .
وَهَل زَهِدَ الشَّبَابُ فِي عِلْمِ أَحْمَدَ وَالطَّحَاوِيّ وَالبَرْبَهَارِي وَالآجُرِّي وَالَّالَكَائِي و..... المُسْتَنْبَطِ مِن سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ - بِفَهْمِ أَصْحَابِهِ الكِرامِ ؟! .
وَما حَالُ الشَّبَابِ مَعَ كِبَارِ العُلَمَاءِ الَّذين أَخَذُوا مِن المُتَقَدِّمِينَ كَشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ وَابْنِ القَيِّمِ ... إلى الألْبَانِي وَابْنِ بَازٍ وَالعُثَيْمِين ؟! .
إلى كُلِّ مَنْ يَقُولُ: هَل مِن المَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ هؤلاءِ الدُّعَاةِ فِي الفَضَائِياتِ مُخْطِئِين ؟!
أقُولُ: وَهَل مِن المَعْقُولِ أَنْ يُخَالِفَ كُلَّ مَن ذَكَرتُ أوَّلًا مَن اشْتَمَّ رائِحَةَ مَنْهَجِ السَّلَفِ ؟!!! .
وختاما:
تأمل في هذه الآية مرة أخرى ، واخش على نفسك:
" هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ " .
وكتبه/ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمن مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الغَفَّارِ بنِ عبدِ الرَّحْمن
