بسم الله الرحمن
الرحيم ، أما بعد ..
فلقد سألني سائل
عن علة تقصير الثياب لدى المتمسكين بالسنة وأراد الجواب مكتوبًا ، فكتبت له باختصار
راجيًا المولى – تبارك وتعالى - أن يتقبل وأن يكتب لي وله الهداية :
أولا: نحن لا
نبتدع في دين الله - عز وجل - وإنما نسير على هدي النبي الأمين – صلى الله عليه
وسلم - .
ثانيا: روى
البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي –
صلى الله عليه وسلم – قال:
" مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .
وفي الحديث
دلالة واضحة جدًا على تحريم جر الثوب كِبرًا
.
وقد أمر النبي –
صلى الله عليه وسلم – عبد الله بن عمر – رضي الله عنه – أن يرفع إزاره لمَّا رآه
مسترخيًا كما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر
– رضي الله عنهما – قال:
" مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ ارْفَعْ
إِزَارَكَ فَرَفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ زِدْ فَزِدْتُ فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا
بَعْدُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَى أَيْنَ فَقَالَ أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ ".
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ بإسناد صحيح - كما قال الألباني - مِن حَدِيثِ عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبِعَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ حَتَّى هَرْوَلَ فِي أَثَرِهِ حَتَّى أَخَذَ ثَوْبَهُ فَقَالَ: " ارْفَعْ إِزَارَكَ " قَالَ فَكَشَفَ الرَّجُلُ عَنْ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَحْنَفُ وَتَصْطَكُّ رُكْبَتَايَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَسَنٌ " قَالَ وَلَمْ يُرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَّا وَإِزَارُهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ .
وفي الحديث دلالةٌ واضحةٌ أيضًا على وجوب رفع الإزار أو ما حل محله لأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وحرمة الإسبال ولو لعلة مرضية مشابهة .
وروى مسلم في
صحيحه عَنْ أَبِي ذَرٍّ أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:
" ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ
فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا قَالَ
أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمُسْبِلُ
وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ " .
وروى البخاري في
صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
" مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فَفِي
النَّارِ " .
وقد روى أبو
داود في سننه عن جابر بن سليم – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه
وسلم – قال له:
لَا تَسُبَّنَّ
أَحَدًا قَالَ فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلَا عَبْدًا وَلَا بَعِيرًا وَلَا
شَاةً قَالَ وَلَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفِ وَأَنْ تُكَلِّمَ
أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَارْفَعْ
إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ
وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنْ الْمَخِيلَةِ وَإِنَّ اللَّهَ
لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ وَإِنْ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ
فِيكَ فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْه .
وفي الحديثين
السابقين دلالة واضحة على حرمة إسبال الثياب ولو
من غير كِبر ، وفيه توضيح للحد
المسموح به ، فيحرم على العبد أن يطيل ثوبه أكثر من الكعبين ، بل لا يكون للكعبين
حظ من ثوبه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي في سننه وابن
ماجة كذلك من حديث حذيفة – رضي الله عنه – قال:
أَخَذَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَسْفَلِ عَضَلَةِ سَاقِي أَوْ
سَاقِهِ فَقَالَ هَذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ فَإِنْ
أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ فَإِنْ أَبَيْتَ فَلَا حَقَّ لِلْإِزَارِ فِي
الْكَعْبَيْنِ .
* والكعب هو العظم الناتيء عند ملتقى الساق والقدم ، وهو الموضع
الذي ينتهي عنده غسل الرجل الواجب في الوضوء ، ويطلق عليه العوام (بز الرِّجْل !)
قال الله – تبارك وتعالى-:
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا
بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ "
** فالحكم الشرعي أن إسبال الإزار مُحَرَّم سواء كان كِبرا أو بغير
كِبر وأن الحد المسموح به إلى الكعبين ، وإطالة الثوب عن هذا الحد محرمة ،
بل وتدخل في وعيد النبي – صلى الله عليه وسلم – (مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ
مِنْ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ ) ، ويستحب للمسلم أن يُقَصِّر إلى منتصف الساق .
وكتبه/
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمن مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الغَفَّارِ بنِ عبدِ الرَّحْمن
